القسم : اقلام واراء
تاريخ النشر : 20/08/2020 3:20:10 AM
ابو النصر يكتب : " انا مصاب بالكورونا "
ابو النصر يكتب : " انا مصاب بالكورونا "

 
م. بسام ابو النصر-
 
أصارعها وتصارعني، ولا أدري إن كنت أصارعهما معا: كورونا والغربة؛ إذ غدت كلتاهما تجتاحني، وأتحدث اليوم من سريري عبر أثير الغربة بصوت وطنيتي وبحنيني المتعطش لأمومة الوطن..
فما زالت حدودنا تقيم مراسم الحظر الخارجي الذي يحول بيننا وبين أهلنا وأصدقائنا ويبقينا مبعدين تحت اسم كورونا، وينطبق هذا على أكثر من مليون أردني مغترب رفعت الجهات الرسمية عنهم يد تسهيلات العودة وكأنهم ليسوا من أبناء الوطن، في الوقت الذي تتبنى فيه الأردن سياسة محاربة الوباء موفرة الحماية والرعاية التامة للأردنيين وكل من يقيم على ثرى الأردن، هذا وقد أصبحنا نقرأ عن حالات وفاة لأردنيين مغتربين اتصفت أجهزة مناعتهم بأنها ضعيفة، وعل الغربة أسهمت في ضعفها.

أوقعتني فوضى التقارب أسيرا لسرير تتباطؤ فيه أنفاسي، وينقص مني أوكسجين حياتي، تنتابني رعشات فيقشعر جسمي من البرودة تارة متواريا خلف بطانيتي، وأتعرق فيندى جبيني ويبتل شعري تارة أخرى.. رسمت صورة لذلك الفايروس الذي أخذ ينتشر في جسدي كسم أفعى برأسين غرست أنيابها مستشرة أثناء معايدة للجالية في غربتنا، حيث ذهبنا مستأنسين لأطياف مراسم عيد غريب نشتم فيه رائحة الأردنيين من أهل مودتنا، لم أعي وقتها احتمالية أن أصاب بكورونا فقد كنت تحت تأثير الإصابة بالشعور المرير بالغربة، اشتاق لقهوة أردنية سمراء تسكب من دلال كرمنا، مثقلة بهيل أصيل، قهوة تذكرني بقهوة أمي في صباحات العيد، وما كنت أدرك أنه فنجان سيحول بيني وبين قهوتي الصباحية في كل يوم ويحرمني من مذاقها إذ غدا كل ما أشربه أو آكله بنكهة كورونا...

ما هي ألا أيام قلائل حتى استعنت بابني ( يزن) لينقلني إلى البرج الطبي، وهو أكثر مكان رازن لاستقبال حالات المشتبه بإصابتهم بكورونا، وهناك تم فحصي وخلال انتظار النتيجة قاموا بتزويدي ا بالأوكسجين والعمل الحثيث على خفض درجة حرارتي، وللحق إن المملكة العربية السعودية وجهت كل ما لديها من تكنولوجيا وتقنيات متاحة وطواقمها الطبية المدربة ممن تم استقطابهم من أطباء أردنيين وعرب، وقد قدمت خدماتها المجندة لمحاربة الفايروس مكثفة اهتمامها على قدم وساق للسعوديين وغير السعوديين وبذات المستوى والبروتوكول السوي للجميع تماما كما تقوم به الأردن بفارق الغربة، وهنا لا يتم إخراج أي مريض إلا بعد التأكد من شفائه من الفايروس اللعين الفاتك، لينتهي به الأمر إلى الحجر المنزلي ومتابعته عبر تطبيقات خاصة حتى انتهاء مدة الحجر المنزلي التي لم أصلها بعد، ،وهنا في المستشفى يتم التعامل معي كمريض يسعون إلى شفائه بأهمية. أنتظر اليوم خبرا يقول: النتيجة سلبية. بوعي تام مفاده أن السلبية هنا نتيجة إيجابية تعني الشفاء. 

كم أنا ممتن وشاكر لحسن التعامل حتى أنهم خاطبوا مركز عملي طالبين إجازة مرضية إلكترونية أرسلت إلى الكلية التي أقوم بالتدريس فيها، وكم أسعدتني مبادرة عميد كليتي الأكرم حين هاتفني مطمئنا شادا على عزائمي سائلا عن احتياجاتي ليوفرها لي.

علاجي أدوية هي أفضل ما يقدم في هذا السياق ليواري الكورونا متمثلا بالهيدروكسيد والزنك اللذين من شأنهما رفع كفاءة جهاز المناعة، وكذلك تزويدي بالأوكسجين اللازم، كما تتم فلترة الهواء، أمكث وأكثر من جهاز تنفس في الغرفة المجهزة بكل ما يلزم، وطبعا يتم تقديم وجبات غذائية وفق استشارات أخصائيي التغذية وإشراف كادر من الأطباء والممرضات الذين لا يتوانون عن تقديم النصح والإرشاد المتكررين، تحية من عمق قلب أردني للشقيقة الكبرى التي حلت وطنا في وقت الاغتراب، والحمد لله أن جملني بالعزيمة والصبر في محنتي فأنا اليوم في طريقي للتعافي.

وأخيرا أبث رسالتي الناجمة عن تجربة لا أذاقها الله لمخلوق: نعم للتباعد ولإجراءات السلامة والحذر، ولا للتجمعات.
التعليقات
شارك بالتعليق الاول للخبر
اضافة تعليق جديد

جميع الحقوق محفوظة لموقع وكالة "الرقيب الدولي" الإخبارية (2013 - 2020)

لا مانع من الاقتباس او النقل شريطة ذكر المصدر

اطلع على سياسة الموقع الالكتروني