.
كتب؛ مُعين المراشده * -
في خضمّ العبث السياسي الذي نعيشه، ومع سقوط الأقنعة عن وجوهٍ لطالما ظننّاها تحمل ملامح رجالات دولة، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ لا يليق بثقل الأردن ولا بتاريخ مؤسساته. أشخاصٌ ارتضوا أن يختزلوا رصيدهم السياسي وخبراتهم الرسمية في أحاديثٍ بودكاستية باهتة، تسعى إلى لفت الأنظار أكثر مما تسعى إلى خدمة الوطن، يبيعون ما كان يُفترض أنه سرّ الدولة وهيبتها مقابل تصفيق عابر أو شهرة رخيصة.
لكن، على الضفة الأخرى من التاريخ، هناك رجالٌ رسخوا معنى الدولة وهيبتها بدمائهم وأفعالهم، لا بشعاراتهم. وغداً، 29 آب، تحلّ الذكرى الخامسة والستون لاستشهاد دولة هزاع المجالي، الرجل الذي ارتقى في سبيل الوطن، وظلّ اسمه محفوراً في ذاكرة الأردنيين باعتباره نموذجاً للرجل الذي عاش ومات من أجل الأردن لا من أجل ذاته. كان صلباً في مواقفه، كبيراً في إخلاصه، آمن بأن الدولة أكبر من الأشخاص، وأن الكرسي ليس غاية وإنما وسيلة لخدمة الشعب.
وكذلك كان الشهيد وصفي التل، الذي جسّد صورة القائد الصلب، المفكر العملي، والسياسي الذي فهم وجدان الناس قبل أن يتحدث إليهم. لم يكن يبحث عن مجدٍ شخصي، بل كان يمشي بينهم واحداً منهم، يزرع الثقة ويجسّد الانتماء. عرف أن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأن الهيبة الحقيقية ليست في الاستعراض الإعلامي، بل في القرار الصعب والتضحية الصادقة.
الفرق بين هؤلاء وهؤلاء واضح لا يحتاج إلى عناء بحث..
هزاع ووصفي ومن سار على نهجهما.. قدّموا حياتهم ثمناً لكرامة وطن، ومضوا شهداء تاركين للأردن إرثاً من العزّ والمواقف المشرفة.
أما الطارئون على فكرة الدولة اليوم.. يلهثون وراء ضوءٍ زائل، ويستبدلون سرّ الدولة بسطورٍ عابرة على منصات التواصل، وكأن الوطن مادة للتسويق لا رسالة للشهادة.
إننا إذ نحيي غداً ذكرى استشهاد هزاع المجالي، ونستذكر وصفي التل ومعه كوكبة من الشهداء، فإننا نقف أمام حقيقة ساطعة.. الأردن بُني بتضحيات رجالٍ آمنوا أن الدولة فكرة خالدة لا منبر دعائي، وأن الوطن يستحق الدماء لا التفاهات.
وستظلّ 29 آب علامة مضيئة في ذاكرة الأردنيين، ليست مجرد تاريخٍ عابر، بل موعداً سنوياً لتجديد العهد مع الشهداء بأن يبقى الأردن وطناً عصياً على الانكسار، مرفوع الرأس بدمائهم، وراسخاً في ضمائرنا بما تركوه من إرثٍ خالدٍ في السياسة والشرف والانتماء.
* ناشر ورئيس هيئة تحرير وكالة "الرقيب الدولي" الإخبارية.