القسم : اقلام واراء
تاريخ النشر : 10/09/2020 5:28:34 PM
نايف القاضي يكتب: الأردن بين التحديَّات القديمة والجديدة
نايف القاضي يكتب: الأردن بين التحديَّات القديمة والجديدة
كتب: نايف القاضي - 

لقد مرت سنوات طويلة على تقاعدي من الخدمة سواء كدبلوماسي أو سفير في البلاد العربية او الاجنبية او كمسؤول حكومي او عضو في مجلس الاعيان، ولم يخطر في بالي طيلة هذه الفترة ان اكون خارج السرب او اغرد في فضاء غير اردني ولهذا فقد التجأت الى اسلوب الكتابة في الصحف الاردنية فقط اعبر من خلالها عن رأيي في الكثير من القضايا الاردنية والمصالح الاردنية والتحديات التاريخية التي واجهها الاردن والاردنيين منذ قيام الدولة حتى الآن وكنت كما كنت على الدوام الى جانب الاردن ومصالحه الوطنية والقومية ولم أكن في أي صف غير صف الأردن ?قيادته التاريخية الحكيمة وشعبه الوفي وجيشه العظيم.
 
ومنذ فترة ليست بعيدة نبّه جلالة الملك حفظه الله الى ضرورة مساهمة المسؤولين القدامى في الوقوف مع الدولة والدفاع عن مصالح الاردنيين والاردنيات، وعرفت انني لم اكن في يوم من الايام مدافعا عن الاردن من باب المسؤول الدبلوماسي او حتى السياسي ولكني كنت احمل مشاعر العسكري الاردني الذي يضع مصلحة الوطن فوق كل مصالحه ويتركز هدفه في الدفاع دائما وابدا عن الاردن واهدافه ومبادئه وقيمه دون الالتفات لاية امور اخرى قد تلهيه او تبعده عن ذلك، وان يكون الانتماء للاردن وحده بعيدا عن الانتماءات الصغيرة الحزبية او الطائفية او الع?ائرية أو الفئوية أو الأصولية المنسوبة للعقيدة او الايديولوجية السياسية او العنصرية، لان الاردن كيان قام على الاساس القومي الوحدوي وعلى التعددية والمساواة الكاملة بين أهله العرب الاردنيين الأصلاء.
 
لا اريد هنا ان اتحدث عن التحديات التي يواجهها الاردن وحيدا هذه الايام، ولن اتحدث عن تحديات الماضي التي تجاوزها وانتصر عليها، ولكني سأتحدث عن تحديات اليوم الجديدة، وكيف نقف منها وفي مقدمتها التحدي القديم الجديد وهي عملية السلام وقضية فلسطين التي تقف أمام أعيننا بقدسها وصخرتها وقبر خليلها يوماً بعد يوم وبعد صبر طويل وكفاح مرير رافق قيام الدولة الاردنية منذ قيامها رسميا عام 1946 وقبل ذلك بسنوات دافع الاردن عن فلسطين بوعي وادراك وحكمة عن ارض وشعب فلسطين وخاض الحرب الاولى من اجلها ومن اجل حمايتها وحماية القدس و?لمقدسات الاسلامية والمسيحية ومن اجل حق شعبها في البقاء والوجود على ارضه وفي حدود وطنه. ومع كل ما تعرض له الاردن وقيادة الاردن في تلك المرحلة وما بعدها من حملات التشكيك والاتهامات الظالمة بالخيانة للقضية الفلسطينية، فقد جاء اليوم الذي انكشف فيه الأمر لكل فلسطيني ولكل عربي ومسلم ولكل مسيحي وحتى لكل العالم بان الاردن وحده والاردنيون وحدهم هم الذين حاربوا بدماء ابنائهم في فلسطين وانهم هم الذين وقفوا ودافعوا عن فلسطين وارضها وقدسها وانهم حتى اليوم هم هم اسياد الموقف المشرف الذي حفظ اسم فلسطين وتضامن وتوحد مع اه?ها بكل شرف وصدق وعلى المنكرين ان يعيدوا كتابة ما كتبوا وما اتهموا وان يرفعوا القبعات احتراما للاردن قيادة وشعبا وجيشا ولن يغير الاردن موقفه مهما تغيرت مواقف الآخرين ومهما كان الثمن فقد دفعنا معظم هذا الثمن والباقي قليل بإذن الله.
 
اما التحديات الجديدة فهي المواجهة الحقيقية والشجاعة التي قادها الملك حفظه الله ورسم خطة مواجهتها وحرّك الجيش وكل أجهزة الدولة لاحتواء وباء «جائحة كورونا» الذي هز العالم ولم تقو على الوقوف امامه حتى بعض الدول العظمى، لكننا وبالارادة القوية والتزام الاردنيين والاردنيات وقوة اللُحمة الاردنية رغم امكانيات الاردن المحدودة فقد نجحنا في الوقوف في وجه الكارثة وتحويلها الى فرصة، اذهلت دول العالم وبرهنت على نجاح الاردن وقدرته على السيطرة على مداخل البلاد ومخارجها، وتمكين المواطنين الاردنيين الموجودين في الخارج من ال?ودة الى وطنهم بكل سهولة ويسر وتقليل عدد الوفيات بالتحضيرات والاستعدادات المطلوبة في مثل هذه الظروف.
 
وبخصوص التحدي الداخلي الاكبر فهو استعداد الاردن لاجراء الانتخابات النيابية المقبلة في شهر تشرين الثاني المقبل واعلان ذلك يُعد في نظري ومعي معظم الاردنيين مؤشرا على حالة الاستقرار والقوة التي يتمتع بها الاردن في الوقت الحاضر ودافعاً للدول الاخرى التي ترى في الاردن القدوة والنموذج للقيام بذلك.
 
ورغم شعوري بقدرة الاردن والاجهزة المختصة والتزام الشعب الاردني بفئاته ومناطقه المختلفة القيام بالعملية الانتخابية بكل ثقة وعزم الا انني انتظر من الحكومة الحرص على توفير الاجواء الصحية والنفسية للمواطن الاردني والتأكيد على الالتزام بالتعليمات والأوامر الصادرة من وزارة الصحة وكذلك وزارة الداخلية حتى تكون انتخابات نظيفة وصحية ومقبولة من قبل الجميع. وكنت اتمنى لو سبق الموعد اجراء تعديل على قانون الانتخاب بحيث يتحقق مفهوم الاردنيين امام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وان اختلفوا في العِرق او ال?ين او اللغة، بحيث يتم الغاء دوائر البدو الانتخابية وان يتم دمجهم في المحافظات ليتحقق لهم العدالة والمساواة واضرب مثلاً عن نفسي فقد ولدت في قرية تابعة للواء الرمثا محافظة اربد، واصبحت قريتي الآن تابعة لمحافظة المفرق/البادية الغربية ولا يسمح القانون لي ان اترشح او انتخب في محافظة المفرق وكذلك لا يسمح لمثلي ان يترشح في لواء الرمثا او محافظة اربد مع ان الدولة الاردنية قد سبقت كل ذلك بالغاء قانون البدو والعشائر منذ سنوات طويلة.
 
واصبح معظم ابناء البادية يعيشون في الحضر وتخلوا عن بيت الشعر وتوجهوا لطلب العلم وتولوا المراكز والقيادات المتقدمة سواء في الجيش والاجهزة الامنية او في اجهزة الحكومة المتعددة وفي أعلى المناصب والدرجات ولم يعد النظام الانتخابي وحصرهم في دوائر معينة منسجما مع تطلعاتهم الوطنية المكفولة بالقانون لانهم مواطنين اردنيين لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات ومع انني لم اتطلع او اسعى في يوم من الايام ان اصبح نائباً الا انني اشعر بان حقوق ابناء البادية تحتاج الى رعاية اكبر وان يتم معالجة هذا النقص في الحقوق بأسرع وقت ممك?.
 
واعود هنا للحديث عن الاحزاب الاردنية:
 
-لقد حاول جلالة المرحوم الملك الحسين طيب الله ثراه أكثر من مرة وتلاه جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله ان يجمع الاحزاب الاردنية بثلاثة تيارات بعد ان كثر عديدها وقال قولته المشهورة بان الازدحام يعيق الحركة وعلى الاحزاب ان تنصهر في ثلاثة تيارات تمثل اليمين والوسط واليسار لاننا بحاجة لاحزاب قوية وكبيرة تقوم بدورها الوطني المطلوب وان تكاثر الاحزاب سيقلل من أهميتها ويضعف من وجودها على الساحة الاردنية.
 
لقد كنت من اوائل الاردنيين الذين دخلوا الاحزاب في فترة ما بعد الخمسينيات واوائل الستينيات واطلعت عن قرب على مبادئ واهداف هذه الاحزاب وخاصة تلك الاحزاب القومية والأُممية الكبيرة وبعد قراءتي لسلوكها وسياساتها وجدت ان من المناسب تركها وعدم الرجوع الى خلاياها وقواعدها لانني رأيت من خلال وجودي في الجامعة في دولتين عربيتين حكمهما حزب واحد (سوريا والعراق) وتحت شعارات وأهداف ومبادئ واحدة قد حشدت الجيوش تحت رايات وشعارات نفس الحزب وكادت الحرب ان تقع بين الدولتين لكن الله وحده جنبهما حدوث كارثة لا تُبقي ولا تذر بعده? انسحبت وكنت من الناجين واكتشفت انني ان لم اكن وطنيا اردنيا منتميا فلن اكون قوميا عربيا وانه لاشيء في هذا الكون يعادل الوطن الذي تنتمي له بصدق واخلاص.
 
واخيرا فقد قمت اليوم بالاتصال بالصديق د. مروان المعشر صاحب فكرة التحالف وحزب التحالف المدني وباركت له بالاستقالة وللحقيقة فقد كان مروان المعشر من اقرب الاصدقاء ومن الاشخاص الوطنيين الاردنيين المميزين وعرفته عن قرب خلال فترة المفاوضات العربية الإسرائيلية ووجود الوفد الاردني والفلسطيني المشترك وكان الناطق الرسمي باسم الوفد الاردني بكفاءة عالية ومميزة بالاضافة لكونه في ذلك الوقت كان مديراً لمكتب الاعلام الاردني في واشنطن ثم اصبح بعد ذلك سفيراً للاردن في الولايات المتحدة. والحقيقة انني اختلفت مع الدكتور مروان ?انني ببساطة اكتشفت بعد ثلاث سنوات بانني في صف وان الدكتور مروان في صف آخر، انا اصبحت احسب نفسي من الاردنيين المحافظين ومروان اصبح في صف الراغبين في التغيير بل اصبح من اهم قياداتهم، وعليه فقد خالفته انطلاقاً من قناعتي بأنه اردني وطني نظيف وانه في النهاية لن يقف الا في نفس الصف الذي عهدته فيه أول مرة.
 
وفي الختام سيظل الاردن الوطن النموذج لكل اردني عاش فيه او عاش خارجه منتميا اليه ولن يقوده الا ابناؤه المخلصون المعروفون بما قدموا وما فعلوا من اجله. وفي ظل هذه المرحلة الصعبة والظروف المعقدة فانه بات على كل اردني مخلص مهما كان موقعه او موقفه ان يكون فقط الى جانب وطنه وان يجمعنا فقط حبنا للاردن وقيادته التاريخية.
التعليقات
شارك بالتعليق الاول للخبر
اضافة تعليق جديد

جميع الحقوق محفوظة لموقع وكالة "الرقيب الدولي" الإخبارية (2013 - 2020)

لا مانع من الاقتباس او النقل شريطة ذكر المصدر

اطلع على سياسة الموقع الالكتروني